من أبلة نظيرة إلى شيفات السوشيال ميديا.. كيف تغيّر طعم المطبخ المصري؟

أبلة نظيرة
أبلة نظيرة


في زمن لم تكن فيه الكاميرات تُسلّط على أواني الطهي، ولا الأضواء تلمع فوق الصحون المزخرفة، ظهرت امرأة مصرية بسيطة أحدثت ثورة في المطبخ العربي كله. اسمها صار مرادفًا لفن الطهي الحقيقي، وكتابها تحوّل إلى “إنجيل المطبخ المصري” لعقود طويلة... إنها أبلة نظيرة، سيدة المذاق الأصيل، التي وضعت أساس المهنة قبل أن تتحول إلى استعراض على الشاشات وصفحات الإنترنت. وبين “أبلة نظيرة” و”شيفات اليوم” حكاية تستحق أن تُروى، لأنها ببساطة... حكاية المذاق حين تغيّر.

المطبخ علم ورسالة

وُلدت نظيرة نيقولا عام 1902، في مصر، ودرست بكلية التدبير المنزلي، لتكون واحدة من أوائل المصريات اللاتي رأين في المطبخ علمًا يُدرس، لا مجرد عمل منزلي. اختارتها وزارة المعارف ضمن بعثة علمية إلى جامعة "جلوستر" بإنجلترا، وهناك تعلّمت أصول التغذية الحديثة وأساليب الطهي العلمية.
وعادت لتُدرّس مادة “الثقافة النسوية” – أو ما نعرفه اليوم باسم “التدبير المنزلي” – في مدرسة السنية للبنات، لتغرس في طالباتها معنى النظام والنظافة والتذوق الرفيع، قبل أن تعرف مصر مفردة “الشيف”.


كتاب صنع التاريخ "أصول الطهي"؟

في أربعينيات القرن الماضي، أعلنت وزارة المعارف عن مسابقة لتأليف كتاب عربي متخصص في فنون الطهي ليُدرّس للفتيات. تقدمت أبلة نظيرة ومعها السيدة بهية عثمان، وأصدرتا كتاب "أصول الطهي"، الذي تجاوزت صفحاته الـ800. لم يكن مجرد كتاب للوصفات، بل موسوعة تربوية وثقافية جمعت بين فن إعداد الطعام وفلسفة إدارة البيت.
قدّمتاه إلى الملكة فريدة بنفسهما، فكان أول كتاب عربي في الطبخ يعتمد رسميًا كمصدر تعليمي. ومنه انطلقت شهرة “أبلة نظيرة” لتصبح أيقونة في الوعي الجمعي المصري.

من الإذاعة إلى قلوب المصريين

قدّمت أبلة نظيرة فقرة إذاعية بالتعاون مع الإعلامية الكبيرة صفية المهندس، لتصبح صوت المطبخ المصري في كل بيت. كانت تُعلّم النساء كيف يطبخن بحب، وكيف يقدّمن الطعام كرسالة دفء واهتمام.
كما كانت تكتب في مجلة “حواء” عمودًا دوريًا تدمج فيه بين الوصفة والنصيحة، بين الطبق والمبدأ.


 المذاق... من الورق إلى الشاشة

رحلت أبلة نظيرة عام 1992 عن عمر ناهز التسعين، بعد أن تركت تراثًا يُعدّ حجر الأساس لفن الطهي في مصر والعالم العربي. لكن مع مرور السنوات، تغيّرت الصورة.
فقد دخلت الأضواء الكاشفة إلى المطبخ، وظهر “الطهاة الجدد” عبر الفضائيات ثم السوشيال ميديا، حيث صار الطهي عرضًا بصريًا قبل أن يكون مهارة.
اليوم، نرى العشرات من الشيفات والمطابخ الإلكترونية يتنافسون على “الترند” أكثر من المنافسة على المذاق. تغيّر الهدف من نشر المعرفة إلى حصد المشاهدات. وبين “أبلة نظيرة” و”مؤثري المطبخ” مسافة بين العلم والضجيج، بين البساطة والتكلف.


المقارنة بين زمنين: الأصالة أم الحداثة؟

في زمن أبلة نظيرة، كانت المقادير تزنها الملاعق لا الكاميرات، وكانت النصيحة تُكتب بالحبر لا تُقال في بث مباشر.
كانت تُعلّم أن الطبخ مسؤولية، وأن الطعام رسالة حب تُقدَّم للأسرة بروح العلم والذوق.
أما اليوم، فالوجبات تتبدل بتبدل "الموضات"، وأصبحت الطاولة مسرحًا للتصوير لا للتذوق. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الطهاة الجدد نجحوا في تطوير الشكل، في حين احتفظت أبلة نظيرة بجوهر المضمون.

أبلة نظيرة لم تكن مجرد طاهية... كانت مدرسة كاملة خرجت أجيالًا من السيدات اللواتي تعلمن أن الجمال يبدأ من المطبخ، وأن الطهي ثقافة قبل أن يكون مهارة.
وربما لو عاشت لترى ما وصل إليه المطبخ الحديث، لابتسمت وقالت في هدوء: “المذاق الحقيقي لا يُصنع أمام الكاميرا... بل في القلب.”

اقرأ أيضًا| صيادلة المنوفية تطلق حملة موسعة للتوعية بالسكتة الدماغية| صور